أحمد عزو- الرياض
قد سمعنا عن بلاد تحكى فيها ألف ليلة وليلة، كان الحاكم فيها رشيداً، يتحدث مع الغيوم، طرباً بما منَّ به الله من نعم، ومساحات من العالم استظلت بظلالها .
قد سمعنا عن شارع باسم "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، فيه مكتبة الأمة، وحدائق بابل المعلقة، وفرات يزين المدينة تلو المدينة، رقة وسلاسة وروعة وعذوبة، يعطي ساكنيها كرامة وحباً، ويرويهم عزةً وفخراً، قبل أن يروي ظمأهم ويغسل أبدانهم .
قد سمعنا عن بغداد والبصرة، وربما كركوك، أما عن أم قصر، فلم نكن نعرفها، وساحات بغداد لا تهمنا، وشوارع البصرة لا تعنينا، والفلوجة، ما هي الفلوجة؟ هكذا كنا، نعرف أشياء، ويغيب عن أذهاننا أشياء أكثر .
بدأت الحكاية، وبدأنا نعي أطلس الأماكن، أصبحنا نختلف عن الجاهلين بها، حرب تستنزف أعصابنا هلاكاً وتدميراً، دماؤنا صارت تجف؛ فما كان يكتبه الغزاة مداده من دمنا .
على تخوم الماء العربي بدأت سياحتنا النظرية، لم تكن كسياحة العالم "المتحضر" حين يأتي إلينا سائحوه وقد لبسوا (الشورتات) وحملوا معهم كاميرات الفيديو الصغيرة لتخليد الذكريات الجميلة، وشراء ما يمكن شراؤه من تحف المدن الجديدة، يسيحون ليتعرفوا على أناس في بلاد لم يطؤوها من قبل، يستمتعون بما يحبون، ويعودون بأشياء جميلة في أدمغتهم وحقائبهم، يلبسون الثوب والغترة لرؤية أجسامهم في ثياب المختلف لا حباً فيه، يريدون التغيير أو البحث عن شيء يخرجهم من رتابة الحياة أو الضحك أو السخرية .
أما نحن، وما أدراك من نحن، نحن الذين نتعرف على المدن والأمكنة بشكل مختلف، نعم ويا للحزن والأسى! نتعرف بشكل مختلف . نتعرف على المدن العربية حين سقوطها فقط، أما قبل ذلك فلا نعرف عنها شيئاً.
ثقافتنا تفتحت ونضجت مع "أم قصر"، أضفنا مدينة إلى قاموسنا، ثم المكان تلو المكان، وبعد مسافة من السنين امتدت معرفتنا حتى تجاوزت الرافدين والنيلين .
وأنت تسير في دمشق تسأل قادماً من العراق: .
-من أي مدينة أنت؟ .
الغصة في عينيه تلحظها، لكنه يتكلم: .
-من الفلوجة .
مشدوهاً تفتح فمك: .
-اممم، أعرفها، أهلها أبطال، وقفوا أياماً في وجه الأمريكان .
أما أنت أيها المسكين، فلا تعرف منها سوى اسمها الداخل إلى الذاكرة من القنوات الإخبارية، أو سأقولها لكم بطريقة -رغم مأساويتها- تبدو أجمل وأكثر بلاغة وتنميقاً: أنت من ذهب إليها سائحاً في نشرة أخبار دموية .
مع دوران عقارب الساعة نموت ألف موتة، ومع عجلة الحياة نموت ونحيا ونموت، لكن موتنا يختلف عن موت الناس . الحياة أيضاً تختلف عن حياتهم، ذلك أن عجلتنا لا نعيش فيها، بل نعيش تحتها.
كلما سقط مكان تلقفناه بأرواحنا، نحنوا عليه، نضمه كالأم التي تضم رضيعها خوفاً وجزعاً ورحمة وحناناً، نضمه كي لا يسقط، لكنه يخذلنا ويسقط .
أمكنة كان ساكنوها ينامون، مثلهم مثل بقية البشر، يأكلون كما الناس، يتناسلون ويحبون ويعشقون، يعملون ويتقاضون مرتبات كبقية أبناء آدم، بل يتصدقون بفضول أموالهم، هكذا كانوا والله .
أما كيف صاروا، فسؤال حارق شائك، لكن إن كان ثمة إلحاح على الجواب، فاذهبوا إلى الأردن، في أي مدينة شئتم، عمان أو إربد أو السلط أو الرمثا، وأول شخص تقابلونه هناك قولوا له: هل تعرف الطفل العراقي (علي) الذي يعيش بلا ذراعين ولا رجلين؟! . سيدلكم عليه بالتأكيد.
|